محمد أبو زهرة
3749
زهرة التفاسير
وفي ذلك عبرة للذين يطغون ، ويعاندون ، ويؤذونك وصحبك ويستهزءون بكم ويسخرون من آيات اللّه فيهم ، ومعجزته التي تتلى عليهم . إن ما نزل بهم هو بسبب ظلمهم ، ولذا قال تعالى : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ . أي أن ما نزل بهم لم يكن ظلما ، بل كان عدلا ؛ لأنه لا يستوى المحسن والمسىء ، والأعمى والبصير ، ولا الظلمات والنور ، ولا الظل والحرور ، فهو جزاء عمل ، وجزاء العمل من جنسه ، ولكن ظلموا أنفسهم بإضلالهم بالشرك ، وانسياقهم في طريق الفساد ، ومعاندتها للحق واضطهادها لأهلهم ، وإشاعتها للضلال ، وخضوعها للأوهام بدل العقل المدرك المستقيم . وإنهم إذا تردوا في هذا الهلاك الذي نزل بهم منعا لاستمرار فسادهم ، وطغيانهم ، ومحاربتهم - بدا لهم عيانا بيانا أن الآلهة التي اتخذوها من الحجارة أو غيرها ، لا تدفع عنهم ضرا ، ولا تجلب لهم نفعا ، ولا تحميهم مما نزل بهم ، ولذا قال تعالت حكمته : فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، مِنْ هنا لاستغراق النفي ، أي ما أغنت عنهم الآلهة التي زعموها مضادة للّه تعالى أي شئ من الغناء . وأضاف كلمة آلهة إليهم ، لبيان أنها ليست آلهة في ذاتها ، وهي عاجزة كل العجز ، إنما هي آلهة في زعمهم ، وأوهامهم التي أضلتهم ، وسارت في ضلال بعيد . إن هذه الآلهة أخزتهم ، ولم تفدهم ؛ لأنهم ساروا في الضلال إلى أقصى الغاية بل إنهم لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بالإهلاك ، وهو خالقكم والقائم على وجودكم لم يستطيعوا دفعا للضرر ، ولا جلبا لنفع وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ التباب الهلاك والتتبيب الإهلاك الشديد الذي يتضاعف في ذاته ، أي ما زادوكم إلا هلاكا متضاعفا ، والهلاك ليس زيادة في ذاته وإنما الزيادة هي زيادة الضرر .